يحرص ملايين المسلمين كل عام على قيام ليلة السابع والعشرين من رمضان استئناسا منهم في أن تكون ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر في العبادة ، رغم أنّه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ ليلة القدر هي ليلة السابع و العشرين وأنّ الثابت عنه أنها في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان دون تخصيص.
ومن قال أنّها ليلة السابع والعشرين هم بعض سلفنا الصالح من الصحابة والأئمة، لكن هذا ليس موضوع هذا المقال. فحديثنا عن أيهما أفضل عند الله ليلة ٢٧ من رمضان أم ليلة ٢٧ من شوّال؟
وفي الحقيقة بالمنظور الفقهي العام ليلة ال٢٧ من رمضان كونها ليلة رمضانية وترية فثواب العبادة فيها أفضل من قيام ليلة ال٢٧ من شوال أو أيّ ليلة أخرى في غير رمضان، لكن قد يكون أي يوم أو حتّى ساعة خير من رمضان كله بما فيه من صيام وقيام وقرآن و ليلة القدر!!
كيف؟
استمع لهذا الحديث النبويّ العجيب، وتأمّل كلماته كلمةً كلمة:
“مَوقِفُ ساعةٍ في سبيلِ اللهِ، خيرٌ من قِيامِ ليلةِ القدرِ عند الحَجَرِ الأسوَدِ!” صحيح، الألباني.
نعم… لحظة رباط، وقوفٌ في سبيل الله، صمودٌ في وجه الظلم، دفاعٌ عن دينٍ أو أرضٍ أو عرض، تفوق كل العبادات التي تصنعها وحدك في المسجد الحرام، حيث الصلاة بمئة ألف صلاة، وحيث السكينة والطمأنينة… لكنها تظلّ دون مقامِ من وقف مرابطًا لله!
🔹 هل تدرك معنى هذا؟
هناك الآن في غزة، والقدس، والضفة، وكل بقاع الجهاد من يقف مرابطًا… يقدّم روحه، يعاني الجوع، يُحاصَر، يُطارد، يُضطهد… لكنه مع الله، وهذا الموقف عند الله أعظم من ليلة القدر عند الكعبة المشرفة!
بل كل موقفٍ تقفه لله، فيه تعبٌ ومشقّة، تضحيةٌ وبذل، فهو درجةٌ من درجات الرباط،
🔹 كلمة حقٍّ تقولها وأنت تخاف،
🔹 موقف عزّةٍ تتخذه رغم الثمن،
🔹 نصرة مظلومٍ وأنت تعلم العواقب،
كل هذا رباطٌ في سبيل الله!
النبيّ ﷺ لم يترك هذا المعنى غامضًا، بل قال بوضوح:
“أفضل الجهاد… كلمة حقٍّ عند سلطان جائر!” (صحيح،الألباني).
تأمّل… ليست سيوفًا ولا معارك، بل كلمة، لكنها تقال بثمن… حين تخشى على حياتك أو رزقك أو أمنك، لكنها تخرج منك لله، فأنت بذلك مرابط، ثابتٌ في طريق الحق، ولو كنت وحدك!
🔹 وهل تظنّ الأجر يتوقف هنا؟
استمع لهذا الحديث، الذي لا يكاد العقل يحيط بثوابه:
“رِباطُ يومٍ في سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما عليها!” (رواه البخاري).
فقط إذا كنت مرابطا في سبيل الله عزّوجل.
في حديث آخر صحيح يقول صلى الله عليه وسلم (رِباطُ يَومٍ في سَبيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها، ومَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها، والرَّوْحَةُ يَرُوحُها العَبْدُ في سَبيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها).
تخيل حجم الثواب الهائل الذي لا يتصوره عقل، رباط يوم خير من الدنيا وما عليها، بل أقل من ذلك "الروحة" المشوار الواحد في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، نعم ما عليها.
أغمض عينيك لحظةً، وتخيّل كل ما يمكن أن تحويه هذه الكلمة “ما عليها”…
كل القصور، كل الأموال، كل المناصب، كل الملك… كل شيء!
ثم اسأل نفسك:
كيف يتساوى ذلك كلّه، مع خطوة واحدة تخطوها لله؟!
دعني أذهب بك أبعد من ذلك في حديث صحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم(رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ) و آخر (كُلُّ مَيِّتٍ يُختَمُ على عَمَلِه ، إلّا الَّذي ماتَ مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ؛ يَنْمو له عَمَلُه إلى يومِ القيامةِ، ويُؤمَّنُ فِتنةَ القبرِ).
يقول النبي وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله!!!، أي أنّ ثواب وقفته في سبيل الله -موقف ساعة - التي هي خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود التي هي ب ٨٣ سنة على الأقل حاصل ضرب مئة ألف لأن العبادة في المسجد الحرام بمئة ألف فيما سواه، في عدد الساعات التي سيقضيها في قبره حتى قيام الساعة ( أحسبها كما تشاء ألف سنة ألفين ) وهو في قبره يحسب له هذه الحسبة كلها ثوابا ومنزلة ولا أحد ينال هذه المنزلة التي لا يتصورها عقل من الثواب والقرب من الله سوى المرابطين في سبيله ويجري عليه رزقه فهو حيّ عند الله و يأمن فتنة القبر أو سؤال الملكين !!!.
إن قيام ليلة القدر في السابعة والعشرين أو باقي الليالي الوترية هي عبادة نتقرب بها إلى الله عزّ وجل نرجو ثوابها، فأدعو الله فيها وفيما تبقى من رمضان أن يرزقكم نية المرابطين في سبيله وإخلاص المرابطين في سبيله وعمل المرابطين في سبيله، فثغور الإسلام التي يؤتى المسلمون من قبلها كثيرة في كل مجال ومكان.
عاهدوا الله في هذه الليلة المباركة أن تعيشوا بنية المرابطين في سبيله، العاملين لدينه، فجراحات المسلمين النازفة في كل مكان تستصرخكم أغيثونا أغيثونا.
اعقدوا مع الله بيعة الرباط في هذه الليلة، عاهد الله هذه الليلة، أن تعيش بروح المرابطين في سبيله،
🔹 أن يكون لك موقفٌ لله،
🔹 أن لا يمرّ يومٌ دون أن تحمل همّ الإسلام،
🔹 أن لا تنسى إخوانك الذين يسهرون ليحفظوا كرامة الأمة،
فإن لم تكن في ساحات الجهاد، فاجعل لك سهمًا في الرباط، ولو بكلمة، ولو بدعاء!
“اللهم اجعلنا من أهل الرباط، واجعل لنا سهمًا في نصرة دينك، واكتب لنا مقامًا لا يبلغه إلا المجاهدون الصادقون، إنك وليّ ذلك والقادر عليه!”
0 Comments:
Post a Comment